ابن كثير
28
البداية والنهاية
إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيعة فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو ، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم ، وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون ، فيقول له الأمراء : قل إن شاء الله ، فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا . وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله منها قوله تعالى ( ومن بغى عليه لينصرنه الله ) [ الحج : 60 ] . وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو ، فإنهم يظهرون الاسلام وليسوا بغاة على الامام ، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه . فقال الشيخ تقي الدين : هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية ، ورأوا أنهم أحق بالامر منهما ، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين ، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم ، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة ، فتفطن العلماء والناس لذلك ، وكان يقول للناس : إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني ، فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد . ولما كان يوم الرابع والعشرين من شعبان خرجت العساكر الشامية فخيمت على الجسورة من ناحية الكسوة ، ومعهم القضاة ، فصار الناس فيهم فريقين فريق يقولون إنما ساروا ليختاروا موضعا للقتال فإن المرج فيه مياه كثيرة فلا يستطيعون معها القتال ، وقال فريق : إنما ساروا لتلك الجهة ليهربوا وليلحقوا بالسلطان . فلما كانت ليلة الخميس ساروا إلى ناحية الكسوة فقويت ظنون الناس في هربهم ، وقد وصلت التتار إلى قارة ، وقيل إنهم وصلوا إلى القطيعة ( 1 ) ، فانزعج الناس لذلك شديدا ولم يبق حول القرى والحواضر أحد ، وامتلأت القلعة والبلد وازدحمت المنازل والطرقات ، واضطرب الناس وخرج الشيخ تقي الدين بن تيمية صبيحة يوم الخميس من الشهر المذكور من باب النصر بمشقة كبيرة ، وصحبته جماعة ليشهد القتال بنفسه ومن معه ، فظنوا إنما خرج هاربا فحصل اللوم من بعض الناس وقالوا أنت منعتنا من الجفل وها أنت هارب من البلد ؟ فلم يرد عليهم وبقي البلد ليس فيه حاكم ، وجلس اللصوص والحرافيش فيه وفي بساتين الناس يخربون وينتهبون ما قدروا عليه ، ويقطعون المشمش قبل أوانه والباقلاء والقمح وسائر الخضراوات ، وحيل بين الناس وبين خبر الجيش ، وانقطعت الطرق إلى الكسوة وظهرت الوحشة على البلد والحواضر ، وليس للناس شغل غير الصعود إلى المآذن ينظرون يمينا وشمالا ، وإلى ناحية الكسوة فتارة يقولون : رأينا غبرة فيخافون أن تكون من التتر ، ويتعجبون من الجيش مع كثرتهم وجودة عدتهم وعددهم ، أين ذهبوا ؟ فلا يدرون ما فعل الله بهم ، فانقطعت الآمال وألح الناس في الدعاء والابتهال وفي الصلوات وفي كل حال ، وذلك يوم الخميس التاسع والعشرين من
--> ( 1 ) في مختصر أبي الفداء 4 / 48 : القطيفة .